جدل متجدد حول عضوية المغرب في جامعة الدول العربية
تحل الذكرى التاسعة والسبعون لتأسيس جامعة الدول العربية هذا العام في سياق إقليمي ودولي متوتر،
يتسم بتصاعد الانتقادات الموجهة إلى هذه المنظمة، خاصة فيما يتعلق بضعف حضورها في معالجة الأزمات الكبرى،
وعلى رأسها تطورات الشرق الأوسط، ومحدودية تأثيرها في ظل عالم تحكمه تكتلات إقليمية أكثر انسجاماً وفعالية.
ويأتي هذا النقاش في وقت تعالت فيه، داخل المغرب،
أصوات تدعو إلى إعادة تقييم عضوية المملكة داخل هذا التكتل، الذي انضمت إليه سنة 1958،
بالنظر إلى التحولات التي شهدتها الرؤية الاستراتيجية للبلاد، كما عكسها دستور 2011،
الذي يكرس تعدد روافد الهوية المغربية، بما فيها البعد الأمازيغي والإفريقي والمتوسطي.
دعوات للمراجعة وإعادة التموقع
في هذا السياق،
جدد عدد من النشطاء الأمازيغ مطالبهم بمراجعة انتماء المغرب إلى جامعة الدول العربية، معتبرين أن استمرار هذه العضوية لم يعد ينسجم مع
الخصوصيات الثقافية والتاريخية للمملكة، ولا مع رهاناتها المستقبلية.
ويرى هؤلاء أن التحولات الدولية الراهنة تفرض التفكير في بدائل إقليمية أكثر تجانساً،
تستحضر العمق الإفريقي والانفتاح المتوسطي،
بدل الارتباط بتكتل يعتبرونه “غير منسجم” من حيث اللغة والثقافة والتوجهات السياسية.
خلفيات تاريخية وسياقات متغيرة
وتستند هذه الدعوات إلى قراءة تاريخية تفيد بأن انضمام المغرب إلى الجامعة العربية جاء في سياق خاص طبعته مرحلة ما بعد الاستعمار وصعود
الخطاب القومي العربي،
الذي كان سائداً في خمسينيات القرن الماضي.
غير أن هذه السياقات،
حسب أصحاب هذا الطرح، لم تعد قائمة اليوم، في ظل التحولات التي شهدها العالم،
وتغير أولويات الدول نحو بناء شراكات قائمة على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية أكثر من الانتماءات الإيديولوجية.
انتقادات لأداء المنظمة
ولا تخلو هذه المواقف من انتقادات حادة لأداء جامعة الدول العربية،
حيث يُؤخذ عليها عجزها عن حل عدد من النزاعات الإقليمية،
سواء في الشرق الأوسط أو في مناطق أخرى، إضافة إلى محدودية تأثيرها في القضايا الدولية الكبرى.
كما يشير منتقدوها إلى أن غياب الانسجام بين الدول الأعضاء،
واختلاف أولوياتها السياسية، ساهما في إضعاف دورها، وجعلها أقل قدرة على مواكبة التحديات الراهنة.
مقترحات بديلة ورهانات مستقبلية
في مقابل ذلك،
يطرح بعض الفاعلين فكرة التوجه نحو تكتلات إقليمية بديلة،
تقوم على التقارب الجغرافي والتاريخي، مثل تعزيز الشراكات داخل القارة الإفريقية أو الفضاء المتوسطي،
أو حتى التفكير في صيغ تعاون إقليمي بشمال إفريقيا.
ويرى هؤلاء أن بناء تكتلات منسجمة، قائمة على المصالح المشتركة والروابط الواقعية،
قد يشكل مدخلاً لتعزيز موقع المغرب إقليمياً ودولياً، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
بين الرمزية والمصلحة
في المحصلة،
يعكس هذا الجدل تبايناً في الرؤى حول موقع المغرب داخل التكتلات الإقليمية،
بين من يرى في استمرار العضوية داخل الجامعة العربية امتداداً تاريخياً وسياسياً،
ومن يدعو إلى مراجعة هذا الخيار وفق منطق المصالح والتحولات الجديدة.
ويبقى الحسم في مثل هذه القضايا رهيناً بتوازن دقيق بين الاعتبارات التاريخية والرهانات الاستراتيجية،
في سياق دولي متغير يفرض على الدول إعادة صياغة تموقعها بما يخدم مصالحها الوطنية.
