ليس ضروريا أن يحب بنكيران الهمة

آخر الأخبار مقالات وأراء

انزي بريس
كلما اقتربنا من يوم 7 أكتوبر ارتفعت حرارة المملكة، وزاد منسوب التوتر في بركة السياسة، وضعفت الثقة بين كل الفاعلين،

أحزابا وإدارة ودولة… عقدة المنشار اليوم هي خوف الدولة من اكتساح قوي لحزب العدالة والتنمية للانتخابات المقبلة، على منوال ما وقع في انتخابات 4 شتنبر وأكثر، حيث بسط بنكيران سيطرته على المدن الكبرى والمهمة بسهولة كبيرة،

حتى إنه هزم ليس فقط خصومه أو منافسيه من الأحزاب الأخرى بالضربة القاضية، بل هزم نظاما انتخابيا وضعه إدريس البصري ودهاقنة الانتخابات في الداخلية.. نظام كان يجعل من حصول أي حزب على الأغلبية في مجلس المدينة أمرا شبه مستحيل.
المشكل، إذن، هو كيفية تدبير «المفاجأة الانتخابية»، ومدى قدرة الدولة والأحزاب على تحمل نتيجة غير متوقعة ظهرت مؤشراتها القوية في شتنبر الماضي، وتظهر في استطلاعات الرأي الحالية، وقد تتكرر في أكتوبر المقبل، ليس لأن حزب العدالة والتنمية «سوبرمان» لا يقهر، وليس لأن حصيلة حكومة بنكيران نموذجية، بل لأن منافسي بنكيران إما منهكون، مثل الاستقلال والاتحاد، أو فاقدون للمصداقية، مثل البام والأحرار، أو خارج المنافسة، مثل الاتحاد الدستوري وبقية أحزاب الصغيرة. هذا هو السر الأول لقوة البيجيدي.. إنه ضعف خصومه، وهذا الأمر ليس في صالح حزب العدالة والتنمية، ولا في صالح التجربة الهشة للتحول الديمقراطي في البلاد.
ما يزيد الطين بلة هو الوصفة القاتلة التي تعتمدها الدولة العميقة لإضعاف بنكيران وأصحابه، مثل منع لقاء وزرائهم بالمواطنين في الساحات العمومية، وتخفيض العتبة من ٪6‏ إلى ٪3‏، والنفخ في قربة البام المثقوبة، والتوجه نحو اللوائح الانتخابية لحذف مئات الآلاف من الشباب ممن سجلوا في اللوائح السنة الماضية، علاوة على إخفاء الأرقام الحقيقية لانتخابات الرابع من شتنبر الماضي. كل هذا سيعطي الناس الانطباع بأن هناك من يستهدف هذا الحزب، وأنه مظلوم، ولهذا يجب مناصرته وعدم التدقيق في حصيلته. إن الأمر يشبه لقاءك في الشارع العام مع امرأة تبكي وتصرخ وتطلب النجدة، حيث تتعاطف معها تلقائيا بغض النظر عن حيثيات وتفاصيل وحقائق ما جرى لها، ولا تسألها عن اسمها ولا عن سيرتها ولا عن مسؤوليتها عما جرى لها. شيء من هذا يقع وسيقع في انتخابات السابع من أكتوبر، إذا لم يجرِ تدارك هذا الانحراف، والجلوس إلى طاولة الحكمة للتهييء للانتخابات بشكل توافقي وهادئ وسلس، ودون مؤامرات ولا حسابات ضيقة لا تحتملها صحة البلاد العليلة، فكلنا يتابع نزول معدل النمو هذا العام، وآثار الجفاف وعواقبه على التشغيل والقدرة الشرائية والإحساس بالأمان لدى الشباب خاصة، زد على ذلك المطبات الدبلوماسية الخطيرة التي دخلها المغرب مع أمريكا والأمم المتحدة حول مستقبل نزاع الصحراء في منطقة مضطربة تنهار فيها الدول، وليس الأنظمة فحسب. لكل هذه الاعتبارات الداخلية والخارجية، مطلوب من الحكماء في كل طرف أن يهدئوا اللعب، وأن يصلوا إلى وضع إطار سياسي وقانوني لتدبير المرحلة المقبلة.
على بنكيران أن يبعث رسائل واضحة إلى كل من يعنيه الأمر بأنه رجل المرحلة، وأنه لا ينوي، بأي شكل من الأشكال، مسايرة الموجة الشعبية العارمة التي قد تجعله يكتسح الانتخابات المقبلة، وأنه رجل توافق واتفاق وتدرج، وأنه يفكر في المستقبل وليس في الحاضر فقط، وأنه يريد أن يفوز في الانتخابات، وهذا حقه، لكنه سيفوز بالنقاط وليس بالضربة القاضية في الجولة الأولى. نعم، لقد قدم بنكيران العربون على هذا التوجه عندما قبل التنازل عن عتبة ٪6‏ لصالح ٪3‏، وعندما أبرم تحالفا مع صديقيه بنعبد الله والعنصر قبل دخول غمار الانتخابات، عنوانا على إشراكهما في الحكومة المقبلة، لكن هذا لا يكفي. لا بد من إيجاد صيغة للتفاهم مع الدولة دون المساس بالخيار الديمقراطي، ودون ترك الصراع مفتوحا إلى درجة السقوط في الانحرافات، وعواقب المنهجيات غير الديمقراطية التي كلفت البلاد الكثير. ليس ضروريا أن يكون هناك حب كبير بين رئيس الحكومة وكبير مستشاري الملك، كما قال بنكيران عن فواد عالي الهمة، لكن على الجميع أن يحبوا بلدهم، وأن يضحوا من أجل استقراره وعبوره سالما هذا المنعطف الحساس، حيث بعض الأطراف في الدولة لها حساسية من الحزب الأول في المغرب.
على الدولة العميقة أن تتوقف عن محاولة قصقصة جناحي حزب العدالة والتنمية وتسمين حزب البام، وهندسة خريطة انتخابية بعيدة عن الواقع… فهذا سيضر بصورة البلد في الخارج، وسيدخل الخوف إلى قلب بنكيران وأصحابه من احتمال تزوير الانتخابات، ومن إسقاطهم ضدا على إرادة الناس، ومن ثم سيتوجه بنكيران بكل قوته لمقاومة هذا المخطط في صناديق الاقتراع، وفي الحملات الانتخابية، وفي المهرجانات الخطابية التي لا يتفوق أحد الآن فيها على زعيم البيجيدي المدعوم بشعبية كبيرة، وبعمداء جل المدن، وبتنظيم حزبي قوي وفعال، وبشبيبة نشيطة، ومدونين نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي.
ليس عيبا أن يطبق البيجيدي ريجيما طوعيا مؤقتا، وليس عيبا أن تتوقف الدولة عن حقن البام بإبر «الدوباج»، وليس عيبا أن نتجه إلى الانتخابات في هدوء، وليس عيبا ترسيم التطبيع بين كل الفرقاء من أجل المغرب والمغاربة.

 

توفيق بوعشرين